السبت، 1 فبراير 2014

الحياة


الحياة علمتني ألا أصاحب الحمقى، لأنني يوماً ما وفي ظرف غير مُتوقع قد أدفع ثمن صحبتي لهم، بطريقة بشعة وبأغلى الأثمان!

الحياة علمتني ألا أرفع راية فئوية أو عنصرية، لأنني قد أعامَل يوماً على نفس أسس ومبادئ الراية التي رفعت!

الحياة علمتني ألا أتحزّب لجماعة، لأنها قد تسير بي يوماً ما، بكل بساطة ومن دون أن أدري، إلى نقيض الأسباب التي دفعتني أن أتحزب لها.

الحياة علمتني ألا أساير أصحاب الايديولوجيات والمذاهب الفكرية والدينية المتطرفة، لأنّ هؤلاء يوماً ما، وبدون أدنى شعور بالإنسانية، قد يُضحوا بي وبأي إنسان آخر أكان يُشبهني أو لا، من أجل ما يسمونه "العقيدة" ... أي من أجل لا شيء!

الحياة علمتني ألا أعبد المجهول، لأنني يوماً ما، وبدون أدنى شفقة، قد أصبح ضحيته الجديدة وليس الأخيرة! 

باسل عبدالله 

1/2/2014

الخميس، 23 يناير 2014

جنازة الاحياء

منذ أشهر، وبعد طول عناء، وفّـقـني الله وحظيتُ بوظيفة مُحترمة في مكتبٍ لدفن الموتى.

وبالرغم مِن أنّ عملي الجديد، بسبب تنوع المهام التي كُلفتُ بها، تطلب مجهوداً لا بأس به، غير أنّ راتبي كان مُرضياً إلى حد ما وكفيلاً بتعويضَ تعبي.

شملَت وظيفتي عدة مهام حسب الطلب، منها قيادة سيارة الموتى وتنظيم صالون التعازي والمُساعدة في حمل التابوت أثناء الجنازة أو السير بإكليل خلف التشييع ... وُصولاً إلى حفر القبر ودفن الميت.

أهم شيء، أنني ما عدت أشعرُ بذلك الاضطراب الذي لاحقني مع أول أيام الوظيفة، فأنا اليوم مُعتادٌ التعامل مع جثثِ زبائننا بدون أدنى رهبة أو خوف.

بالمقابل، لاحظت على نفسي بعد توظيفي أنني أصبحت أميل للعزلة والهدوء والابتعاد عن الناس، وزادت ساعات الشرود والتأمل في حياتي والإهتمام بأمور ما كانت يوماً تعني لي شيئاً ... لا أعرف السبب، لكن الأرجح أنّ هذه المهنة عكست عليّ في مكان ما من حياتي طابعها الخاص.

***

منذ فترة قصيرة، زادت الطلبيات على مكتبنا، وتحت ضغط العمل، طلب مني رب عملي أن أبحث عمن يُساعدني في وظيفتي، ففعلت.

وقع اختياري على صديقي حسين العاطل عن العمل.  لبّى حسين على الفور دعوتي والتحق بمكتبنا، وساهم مُساعدي الجديد بتخفيف ضغط العمل عني ولكن لفترة قصيرة، لأنّ هذا الأخير أعلن لي فجأة في اليوم السابع من مباشرته العمل أنه لم يتأقلم مع "مضمون الوظيفة"، واعتذر مُبرراً: "آسف .. ما من أمل ... لا مكان لي هنا! ... عليّ أن أذهب بعيداً"، ومضى.

***

عدتُ أقود سيارة الموتى وحدي، وأوزع الأكاليل على زوايا صالون التعازي وحدي، وأواكب التشييع وحدي، وأحفر القبور وأدفن الموتى وحدي.

في أحد الأيام، وأنا أهُم بدفن إحدى الجثث في القبر، بان وجه صاحبها أمامي من داخل الكفن. كان وجه حسين صديقي.

مات حسين، وحفرتُ قبره بيدي. جرت الأمور بسرعة إلى درجة أنني لم أبكه، بل لم أتأثر... كل ما فعلت أنني أنتهيت من دفنه ثمّ انصرفت.

***

مرّت الأيام وأنا أواكب الجنازات. وفي أحد أيام عطلتي تلقيت اتصالاً من رب عملي يطلب مني الالتحاق بالمكتب في أسرع وقت ممكن، بحجة أنّ هناك جنازة كبيرة يحتاجني إليها.

استقبلني رب عملي بعد التحاقي بالوظيفة قائلا: "إنه يومنا .. كـُلـِّـفنا بجنازة كبيرة"، قالها بفخر لا يخلو من الارتباك، ثمّ استطرد قائلاً: "طلب مني أحد كبار قادة البلاد بأن يتولى مكتبنا مراسم دفن أهم الموتى" ... أضاف: "أخيراً سينال مكتبنا الشهرة التي يستحق!".

سألته: "من مات؟؟"

أجاب: "يقولون أنه الوطن ..

سألته باستغراب: "الوطن؟؟ .. لم أفهم!؟".

أجاب مجدداً: "وما همك أن تفهم ! ... المهم أنّها جنازة العمر... هيّا .. هيّا إلى العمل!".

جرت مراسم الجنازة ومشى زعماء الوطن خلف التابوت حسب الأصول، ومشيتُ أنا خلفهم حاملاً الإكليل الأكبر.

كنت مُتشوقاً لرؤية وجه المتوفى هذه المرة، فأنا لم أدفن يوماً وطناً.

... حفرت القبر وانتظرت استلام الجثة لدفنها، وهكذا حصل، ففور استلامي إياها سارعت إلى رفع الكفن عن وجهها والنظر إليه.

بان وجه الوطن أمامي مائلا إلى الزُرقة كمن تلقى سلسلة من الكدمات، وفي دائرة الوجه ظهرَت عشرات آلاف الوجوه البشرية الصغيرة وكأنها حشرات تملأ دائرة الوجه بكامله.

أصابني المشهد بالذعر، فأفلَتُّ الجثة من يدي وهرولت بعيداً عن القبر إلى حيث احتشد القادة أصحاب الفقيد يستقبلون الحشود المُعزية.

كان الجميع يتبادل الأحاديث.

أما أنا فكنت أردد بشبه ضياع: "لن أدفنه.. لن أدفنه... إنّه يضم وجوه آلاف الناس... لا  يمكنني أن أدفنه ؟!".

فجأة ظهر رب عملي من خلفي قائلاً: "أنت هنا؟؟ .. أردت تهنئتك فلم أجدك. مبروك .. مبروك ... نجحنا في مهمتنا... أصبحنا الآن في طليعة مكاتب دفن الموتى في هذا الوطن" ... وأتبعَ كلماته بابتسامة كبيرة مُهنئة.

قطعتُ عليه ابتسامته بالقول: "لكن الوطن مات!"

أجاب: " وإن مات... ما همنا؟".

قلت: "وجهه يحوي وجوه آلاف الناس"

أجابني: "ما همُّنا!"

أضفت: "إحتضر الآلاف باحتضار الوطن.. هل تفهمني؟؟"

أجاب من جديد: "ما همّنا ... هيّا نحتفل".

***

مرّت الايام، وتابعتُ مهام وظيفتي بشكل طبيعي إلى أن جاء يوم هو الأشد غرابة بين أيامي، كـُلـِّـفتُ فيه مراسم دفن أحد الموتى الجدد. استلمتُ الجثة كالعادة أمام القبر، وأثناء مُواراته الثرى ظهرَ أمامي وجه صاحب الجثة. كان الوجه وجهي.

مَرّت الأمور بسرعة،

... لم أبالِ أو أكترث بما شاهدت.

استكملت عملي، وألقيتُ جثتي في قبري بيدي.

ثمّ تركتُ هويتي فوق قبري وانصرفت

... بعيداً عن المقبرة

... بعيداً عن أصدقائي

... بعيداً عن وطني

... بعيداً عن عالم الأشباح التافه الذي أعيش فيه.

***

باسل عبدالله

22/1/2014 

الاثنين، 6 يناير 2014

الإيمان بين زمان واليوم


من زمان، كنا إذا حظنا كان حلو بيوم من الايام .. نقول: الله وفّقنا وفتحها بوجنا اليوم، وكنا نؤمن إنو ممكن في يوم تاني الشيطان يسكّرها بوِجنا ... أما اليوم، بعد ما بلشت قناعتنا تتبلور بشكل أكثر منطقية، صرنا نقول: صادف حظنا حلو بهاليوم، ومعقول غير يوم يصادف عاطل!

من زمان كنا لما نسمع بحدوث عجائب .. نقول: نيالهم صار معهم عجيبة، يا ريت كنا معهم... واليوم، بعد ما بلشت قناعتنا تتبلور بشكل أكثر منطقية، صرنا نقول: معقول عجيبة تصير بمكان معين، بينما ألاف وملايين الناس من قديم الزمان حتى اليوم عم تموت بأساليب مُخيفة ومؤلمة بكل باقي العالم، .. ومن وقتها ما عدنا نتوقف كتير عند العجايب يلي بيحكوا عنها بهالعالم!

من زمان، كنا نبني وجودنا وحياتنا ومُستقبلنا على وجود الله، وكان مرتاح راسنا وبالنا، لا هم ولا مين يحزنون... اليوم، صرنا نبني وجودنا وحياتنا ومستقبلنا على وعينا وإرادتنا، وصار الـ هَمْ رفيقنا الدائم، لأن تخلّينا عن فكرة الحماية الإلهية يلي كل الناس يلي عايشين أو يلي عم يموتوا كل يوم، مُؤمنين بها.

يمكن كتير ناس لما تسمع هالكلام تقول: شفت يا باسل، الإيمان بالله وبعجايبه والإلتزام بالواجبات يلي فارضتها دياناته، هي يلي بتريح الراس!

وأنا لما إسمع هالكلام رح وافق على ملاحظتهم...

بس رح طنّش، وكمِّل مُحاولة عيشي هالتجربة الانسانيّة بملء وعيي وإرادتي... واتوكل على نفسي من جديد و"اشكر الله" على إيماني الجديد المختلف عن طريقة ايمانهم، وعالهموم يلي لاحقتني اليوم وما عم تركني من ورا هل إيمان، لأن من دونها ما فيني كون إنسان حر وعم يتطور يوم بعد يوم بعد يوم بعد يوم بعد يوم بعد يوم بعد يوم بعد يوم بعد يوم ..............................

باسل عبدالله

6/1/2014

الأربعاء، 1 يناير 2014

تطوُّر


عندما تتلاشى جميع الحواجز التي تمنعك من النظر إلى البعيد، ستعرُفُ أنّك وحيدٌ في هذا العالم.

لا مَن يقف إلى جانبك ليُرشدك

ولا من يدفعُك إلى الأمام ويحُثك على التقدم

... ستعلمُ أنّ على قاربِكَ أن يُبحر بدون بوصلة أو خريطة أو حتى مجذاف .. وباتجاه المجهول !

... ستعلمُ أنّ عليك مُتابعة السير مُنفرداً حتى خط النهاية .. وحتى آخر لحظاتك في هذا العالم، رغمَ الأبواق التي تنفخ من حولك مُحاولة نهيك، ومُردِّدَةً عبارات تقليدية تافهة ومُتشابهة لم تعد تعني لك شيئاً.

... سيُرعبك ما تشعرُ به

وستضطرب،

فقد تجاوزت بمسافات جمهور المُسلِّمِين بأمرهم، 


لكنك ستتباهى أمام الكون أنّك تخطيت مشاعرَك وانفعالاتك، وتفوقت على نفسك وعلى مجتمعك وعالمك وآلهته، وانبعثتَ من جديد إنساناً أمتنَ وأقوى وأكثرَ انسجاماً مع وجوده الإنساني في هذا العالم المُبتذَل والهش.


باسل عبدالله

1/1/2014

الخميس، 21 نوفمبر 2013

تضامن على مين؟

اليوم 21/11/2013، سكّروا بوابات الدوائر ببعبدا على الساعة 11، ووقفوا الدرك على البوابات وضهَّرُوا الناس لبرا، ووقفت هالناس على البوابات ... وكبرت العجقة، بانتظار تمرق ساعة أو أكتر تضامناً مع شهداء السفارة الإيرانية.
التضامن واجب، لأنو الناس الفقرا عم تموت، بس تضامن شو هيدا يلي بِكون على المواطن مش مع المواطن،
المقصود إنو إذا دولة بدها تتضامن مُفترض تنكّس العلم اللبناني بكل الوزارات وبالقصر الجمهوري والمحافظات الخ ... أو إذا في مهرجان معين محدد سلفاً، ممكن تلغيه أو تأجله أو مثلاً يلتزموا الوزراء يُوقفوا عشر دقايق صمت بس (ما بدنا أكتر) تضامناً مع حياة المواطن (مش لأنو السياسيين أصل المشكل... لا ما هيك قصدي... لإنو هني ممثلين الدولة يلي عم تتضامن مع الشعب بس).
بس شو قلو طعمة هيدا التضامن يلي عا حساب الناس وتعب الناس وهلاك الناس؟
إنو واحد معطل شغله من هالمواطنين العاديين وطالع على دوائر بالدولة يقضي حاجتو، وعم يحاول يمشي شغلته، فجأة بقلولوه: في تضامن خيي، بدك تنطر ساعة عالباب - هيك بس - لإنو دولتك ما بتعرف تتضامن إلا بواسطك وعبرك وعا حسابك.
يا دولتنا،
هيدا ما بسموه تضامن "مع الناس"، هيدا بسموه تضامن "على الناس"، يعني تضامن بالمقلوب!
التضامن مع الناس عنده أصوله، وأول أصوله إنو ما يحرق دين الناس أكتر وأكتر،
في حال بدو يتعِّب هالتضامن حدا، خلي يتعِّب الحاكمين بأمور الناس، بس الناس لأ، وإلا ما بيعود "تضامن"، بصير "تآمر"!
ما ينفهم كلامي إني ضد التضامن، بالعكس، أنا أول واحد مع التضامن، لأن الإنسان بلبنان هو دائماً الضحية، حياته ومعيشته وصحته وتطوره بقلب المجتمع هِنّي دائماً الضحية لمصالح لكبار، بس بالمستقبل يا جماعة فيكن تستعملوا وسائل ما بتعذب الناس العاديين.. التعبانين... التلفانين... المعترين!
بدكم تضامن؟؟؟ .. طيب، فيكن تلغوا مهرجان صرلها تمارينه يومين مسكرا طرقات البلد... فيكن تنكسوا أعلام هالبلد يلي ما عاد بلد عن الوزارات والدوائر ويلي بدكن ياه... فيكن تحطوا أكاليل ليوم الأكاليل، ... فيكن تعتبروا اليوم يوم عطلة، ساعتها بيعرف حاله الواحد من الأساس إنو ضهرا من البيت ما في .... بس ابعدوا عن لقمة عيش المواطن المتوسط الدخل والفقير، لأنو المواطن المتوسط الدخل والفقير بلبنان قرفان، وكل ما حضراتكم تعملوا حسابات اقليمية ودولية .. وتأخروا تشكيل حكومة .. وتتواجهوا عالمنابر وتعملوا عنتريات، عم يتأكد هيدا المواطن إنو نتيجة العنتريات تبعكم رح تطلع دايماً براسه، لأنو فشة الخلق عا طول بتطلع فيه، من زمان وجايي، وهو عا طول الضحية.
ماشي الحال،
وقفت العالم ونطرت، وبعد شوي بتفوت،
ماشي الحال، كرمال موت الناس بس... انتبهوا موت الناس المعترين بس... ما رح تفرق وقفة ساعة وساعتين وتلاتة على الناس المعترين متلهم....
بس الفكرة، إنو عقبال ما هالبلد يلي ماشي بالمقلوب يصير يوماً ما بلد ماشي جالس ... وبكل شي، مش بس بالشكليات ...لأ،  بالأساسيات كمان.
لأنه الدور جايي عا كل الناس، والموت عم يلوح بالأفق، والوطن مريض بغرفة العمليات... ويلي عم يعالجوه مخرّجين من أهم جامعات عالمية، بس بغير اختصاص الطب، وبخصوص نتيجة معالجتهم لحياة هالوطن، ... فهمكم كفاية !
باسل عبدالله

21/11/2013

السبت، 14 سبتمبر 2013

المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بين حلم أوسلو والآمال المفقودة

عشرون سنةً مرت على المُصافحة الشهيرة بين ياسر عرفات واسحاق رابين برعاية أميركية يوم توقيع اتفاقية أوسلو التي شرّعت الحكم الذاتي للسلطة الوطنية الفلسطينية.

عشرون سنةً مرت ولم تتحقق أي من المطالب الخمسة الأساسيّة للشعب الفلسطيني.

- فلا سلطة الحكم الذاتي الفلسطينيّة تمكنت من بسط سلطتها على أراضي الحكم الذاتي، وإسرائيل ما زالت تحتفظ بالسيطرة الكاملة على 61 % من مساحة الضفة الغربية.

- والشعب الفلسطيني ما زال رهين السلطة الإسرائيلية وفي قبضة "الإذن الإسرائيلي" في تنقلاته داخل وخارج حدود حكمه الذاتي.

- والمستوطنات ما زالت تقضم الأراضي والقرى الفلسطينية دون أي رادع.

- والقدس ما زالت تحت السيطرة العسكرية والسياسيّة الإسرائيليّة.

- واللاجئون ما زالوا مُشتتين في البلاد العربية ينتظرون حق العودة.

***

لا شك بأنّ إسرائيل لم تكن بالجديّة للسماح للسلطة الفلسطينيّة بتحقيق مكاسب حقيقية، خاصة مع وصول بن يمين ناتنياهو إلى الحكم بعد اغتيال رابين، ولا شك أنّ الولايات المتحدة بذلت جهوداً كبيرة لفرض تنازلات على الجهة الفلسطينيّة، غير أنّ إتفاقيّة أوسلو مثلت في مضمونها مُغامرة فلسطينيّة معروفة النتائج، لم تتمكن، رغم وجود القائد التاريخي للثورة الفلسطينية - ياسر عرفات - على رأسها ، من فك الحصار عن الشعب الفلسطيني أو تحقيق أي تغيير في واقعه المُتردِّي، خاصة أنّ عرفات فضّل السير بهذه المفاوضات مُنفرداً في ظل تشتت العالم عربي غير القادر على دعمه.

بالنتيجة بقيَت الحقيقة هي هي : ظهرت إتفاقيّة أوسلو كحدث اعلامي تاريخي كبير أسّس للاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، لكنّ السلطة الفلسطينية بقيت "سلطة وهميّة صورية" فقدت مع الأيام ثقة الشعب الفلسطيني.

***

تتجدد اليوم المفاوضات "المُغامرة" بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين، ويُحاول الشباب الفلسطيني الإعتراض على طريقتهم على هذه المفاوضات من خلال إطلاق تظاهرات فايسبوكيّة تعبّر عن قناعة هؤلاء بضعف السلطة الفلسطينيّة وعدم قدرتها على دخول مفاوضات جديدة خاسرة سلفاً، ففـُرص نجاح  هذه المفاوضات الجديدة معدومة بنظرهم في ظل سقوط جميع الأوراق التي يمكن التعويل عليها لتحقيق مكسب جدِّي في أي من المطالب التاريخية الخمسة للفلسطينيين.
لقد أدى انهيار اتفاقية أوسلو إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وقد يكون الشعب الفلسطيني اليوم في ظل مفاوضات غير متوازنة، بحاجة إلى انتفاضة جديدة هي أمله الوحيد في اختراق هذا الأفق البعيد والمسدود، الذي يحتاج إلى فرض أوراق فلسطينية جديدة على طاولة جديدة للمفاوضات.
باسل عبدالله
14/9/2013

الخميس، 22 أغسطس 2013

المدينة الفاضلة في جمهوريّة حزب الله
















بعد إنفجار السيارة المُفخّخة الأسبوع الماضي في الضاحية الجنوبيّة من بيروت، والذي راح ضحيته 25 شهيداً وما يزيد عن 300 جريح، سارع حزب الله إلى تكثيف إجراءاته الأمنيّة وحواجزه في الضاحية، مُحاولاً تدارك أي عمل إجرامي جديد قد يُهدد أمن الضاحية وسُكّانها الذين يَدين مُعظمهم بالولاء لهذا الحزب.

***

يبدأ تطبيق هذا القرار على أرض الواقع، وتصل أنت إلى أحد مداخل الضاحية ليلاً أو نهاراً من إحدى جهاتها الشرقية أو الغربية بغرض التبضع أو زيارة أحد الأقرباء، غير مُتنبِّهٍ لما ينتظرك.

نعم، وتقع في الزحمة.

تصطدم أولاً بأول حواجز حزب الله الأمنيّة. تقف في طابور من السيارات بانتظار المرور.

بعد قليل يستقبلك أفراد الحاجز بالترحاب "تفضل"، ثم "ما تواخذنا"، يُرسلون بك إلى صف التفتيش، مثلك مثل جميع السيارات التي تسعى المُرور.

تنتظر أنتَ مثلهم دورك في تفتيش السيارة.

صندوق السيارة الخلفي، ثمّ الأمامي، وأحياناً الأبواب ... والهوية عند الضرورة. ثم يستودعُونك السلام، نعم، وبكل أدبٍ واحترام، يقولون لك "الله معك، ما تواخذنا"، حتى أنّك تجد رَجلين من رجال الحاجز عند نهايته، يُرافقان إبتعاد السيارة عن الحاجز بابتسامةٍ مُحِبّة وضربة على الصدر تـُحييك (على الطريقة الشيعيّة المؤمنة) تحيّة طيبة على شكل أسف واعتذار من الإزعاج الذي سبّبه لك الحاجز لضرورات أمنيّة.

"والله أوادم هالشباب"، هذا أول ما تقوله في نفسك، وتشعر بأنك أخطأت بأنك لم تُفرج لهم عن ابتسامتكَ أول ما وصلت... "كتِّر خيرهم والله".

***

لا شك في أنّ هذا المشهد الذي يُواجهه كثيرٌ من الناس من أبناء وغير أبناء الضاحية أثناء دخولهم الضاحية، يترك لديهم انطباعات وهواجس، أو بالأحرى بالحد الأدنى مُلاحظات ثلاث لا يمكن تجاهلها بتاتاً مهما كان انتماؤهم الطائفي أو توجُهُهم السياسي:

أول ملاحظة هي أنّ الوضع في بلدك وفي المنطقة التي تسير فيها خطر للغاية، وبالتالي هنالك حاجة لهذه الإجراءات الأمنيّة غير المسبوقة. وتستنتج بشكل مباشر بأنّ شباب الحاجز يقومون بواجب يُخفف لا شك من حالة القلق والخوف التي تـُسيطر على منطقة الضاحية وعليك، وتقول في نفسك: "والله يعطيهم العافية"، ... رغم أنّك تستدرك فجأة بعد أن تلمع في ذهنك إحدى تلك الأفكار الغريبة : "ماذا لو قرر أحد الإنتحاريين تفجير نفسه في زحمة الحاجز، وعندها عواض بسلامتك عليك وعلى غيرك!"، لكنك بعدها تتعمَّد استبعاد هذه الفكرة لهولها.

ثاني ملاحظة هي تنبهك إلى أنّك لا شك دخلت أسوار "جمهورية حزب الله" بما تتمتع به هذه الجمهوريّة من نظام أمني خاص مُميّز، وتتخيل السيد حسن نصرالله رئيس هذه الجمهوريّة، وهنا يختلف المزاج في التقييم بين مُؤيِّد ومُعارض لحزب الله، وبين مُؤيّد للمقاومة من جماهير الحزب ومُؤيِّد لها من غير جماهيره. لكن جميع هؤلاء (وتحديداً مِن أولئكَ الذين سبق لهم أن عايشوا الحرب الأهليّة) يَستعيدُون، ولو لِوَهلة، تاريخَ سيطرَت ميليشيات الأمر الواقع على مَساحات خاصة بهم في المناطق اللبنانيّة خلال الحرب الأهليّة في لبنان.

ثالث ملاحظة، وهي ملاحظة استدراكيّة، تستوقفك لتُعلمك أنّ هذه "الجمهوريّة" تختلف في مكان ما عن كانتونات الميليشيات زمن الحرب. ويأخذك خيالك الواسع لتُشبِّهها فجأة بالمدينة الفاضلة، لجهة الطريقة المُميّزة التي يُعامل بها أفراد الحواجز المُواطنين، فتتمنى في لحظة لو كانت حواجز الدولة (أي الجيش والأمن الداخلي) تُمارس هذا "التدليل" الذي يُمارسه عناصر حزب الله للناس على حواجز مداخل الضاحية. ثمّ تتنبّه أن عدد المُتفرغين للمُراقبة على هذه الحواجز كبير، ليلاً ونهاراً، فتتوقع أنّك لا بد تشرفت على الحاجز بِمُقابلة عدد من الشباب المُقاوم الذي قد يكون سبق له أن رابض على الحدود الجنوبيّة للوطن لسنوات طوال، ومنهم من واجه إسرائيل في مواقع عديدة وحاربها في حرب 1996 وفي حرب تموز 2006... فتقول "يا اللللله!"، مُحاولاً النظر إلى الجزء الملآن من الكُوب، وتعتبر أن هنالك فارقاً إيجابياً كبيراً بين هذه الميليشية ... عفواً، أقصد أفراد حواجز الضاحية، ... وميليشيات الحرب اللبنانيّة... فتتنفس نفساً عميقاً وترتاح.

***

بعد كل ذلك، تصل إلى مكانك المقصود في قلب الضاحية، فتركن سيارتك وتضع الورقة التي تحمل رقم هاتفك فوق المقود تحت الزُجاج الأمامي، وتُلقي نظرة سريعة إلى داخل سيارتك لتتأكد أن ليس فيها أغراضاً قد تُثير المخاوف أو الشبه بسيارتك ... وتُتابع سيرك بسلام إلى المكان الذي قصدته.

ولكن،

بعد لحظات من حالة الرضا هذه،

يتشوش تفكيرك من جديد ...

وتشعر بتشنج في الأعصاب وبضياع يتناولان كل ما يدور حولك في وطنك وحياتك ومُواطنيتك وحريتك وسلامتك ومستقبلك ومصيرك... تشعر وكأن الشيطان لعب بعقلك، فتتلفظ عبارة: "كس إخت هل بلد!" لتـُعَبِّر عن قرفك ويأسك من وضعك المُتأزم في وطنك.

لكن ذلك لا يطول،

فبعدها .................

وببساطة،

وبسرعة قياسيّة .................

تعود لتسترخي من جديد،

وينتهي الأمر عند هذا الحد.

***

باسل عبدالله

22/8/2013