الأحد، 6 يوليو 2014

هاوي الخسائر




نشرت في صحيفة المدن الالكترونية على الرابط التالي: رابط "هاوي الخسائر" على موقع المدن


كان منذ صغره، مُتابعاً دائماً لمباريات كرة القدم وأخبار لاعبيها ومُنتخباتها من أصغرها إلى أكبرها، إلى حدٍّ أصبحَ معه ضليعاً بأدق تفاصيل اللعبة ولاعبيها.

لكن ما كان يشغلُ بال أصدقائه ويُثيرُهم هو أنه في خضم المُواجهات الكروية بين إحدى الفرق العريقة كإيطاليا أو ألمانيا أو البرازيل وإحدى فرق الصف الثالث عالمياً وما دون، يتخلّى- بعكس أصدقائه- عن تشجيع الفريق القوي، كي يُؤازر خصمه الضعيف، رغم علمه مُسبقاً أنّ آمال هذا الفريق الأخير بالفوز صعبة أو حتى مُنعدمة، وبأنّ المباراة مَحسومة النتيجة سلفاً لمصلحة فريق المُقدِّمة. 

وما زاد الطين بلة، أنّ أصدقاءه كانوا يُلاحظون ازدياد تعصُّبه للفريق الضعيف كُلما تلقّى مرمى هذا الأخير هدفاً جديداً، بغض النظر عن حسن أو سوء أداء هذا الفريق على أرض الملعب.

وبالطبع، كان نتيجة خياراته هذه، يُواجَهُ بشتى أنواع التعليقات المُنتقدة والساخرة والمُستهزئة، وأحياناً المُشفِقة، أكان من القريب أم الغريب مِن زملاء التشجيع، حتى أن كثيرين من أصدقائه نعتَوه مزاحاً بـِ"هاوي الخسائر"، نسبةً إلى الفِرق الضعيفة التي تَورَّط في تشجيعها.

حاولَ كثيرون مِن المُقرَّبين، بـ"المَونة" مِراراً وتِكراراً، تنبيهه إلى جسامة الخطأ الذي ارتكبه بِتَمَرُّدِه عن تشجيع فِرَق مُقدِّمة هذه اللعبة. وعندما سأله يوماً أحدهم عن سبب خياراته الخاسرة، أجابه بأنه ببساطة يتعاطف مع فرق دول العالم الثالث والدول الفقيرة والتي أغلبُ لاعبيها من الهواة، ويفرح بتشجيعها.

حاولَ مِراراً، تحت ضغط الإنتقاد، الإنتقال إلى مُتابعة ألعاب رياضية أخرى، غير أنّ النتيجة استمرّت نفسها في الألعاب الفردية والجماعية على السواء، والخسارة كانت تُلاحقه باستمرار بعد تأييده لاعبينَ أو فرقاً ضعيفة وتشجيعها، على إختلاف هذه الألعاب الرياضية.

مع ازدياد وعيه، وتَجاوُزه سن العشرين، وانهماكه، مثله مثل باقي أبناء جيله، بِمُختلف المَشاغل الاجتماعية والحياتية، تقلّص اهتمامه بالرياضة، وإذ به ينتقل إلى ممارسة هواية الخسارة المُفضلة لديه، على صعيدٍ أوسع مَيدانُه المُجتمع بهموم ناسه المُختلفة. فكان يلتحقُ بصفوف المُظاهرات المَطلبية والمَعيشية أو المدافعة عن حقوق الفقراء، مُناصراً ومُؤازراً حتى الرمق الأخير (مع الملاحظة أن عدد مُنتقديه ازداد أكثر فأكثر).

ظلّ توجّهُهُ إلى مُواكبة القضايا الإنسانية المُحِقّة في مُجتمعه ينمو ويزداد في وطنٍ فقدَ فيه الأفراد بُوصلة انتمائهم المُواطني لمصلحة انتماءات طائفية وقبائلية مُتشعبة، رغم إدراكه المُسبق أن أناساً كُثراً سينتقدُون، وأحياناً يُشفِقُون، وينعتونه من جديد- ولكن هذه المرة لأسباب لا دخل لها بالرياضة- بأنّه "هاوي الخسائر"! 

                                                                                              باسل عبدالله