الجمعة، 28 فبراير 2014

انتظار


الموت يَنتظرُنا

خلفَ كل خطوةٍ وأُمنية...

عندَ كل مفرقٍ أو فكرة...

بعدَ كل سَهوٍ أو انتباه

***

ونحن أيضاً

بدورنا

ننتظرُ الموت

بتصميمٍ وعزيمة...

أمام كل إحباطٍ أو يأس

مع كلِّ مَشهدٍ مُقززٍ ومُوجِع

يُنتِجُهُ هذا العالم البائس

***

ننتظرُ الموت

فقط

لنستَفهِمَ مِمَّن يَنتظِرُنا

بأيِّ مُبَرِّراتٍ يَنتظرنا ... بعدَ الموت ؟!

***

باسل عبدالله

28/2/2014

الأحد، 2 فبراير 2014

قراءة في تفوّق الإنسان على الآلهة


هل على الإنسان المؤمن أن يَحُدَّ نفسه في علاقته بإلهه بحدود واعتبارات والتزامات يحكمها طابع الخضوع لهذا الخالق؟ أم على العكس، عليه أن يسعى دوماً وبدون موانع إلى تطوره الشخصي كإنسان، ولو كلف الأمر في مرحلة حاسمة دخوله مُواجهةً ضاريةً مع المعتقد الذي قدّم له فكرة الله، وحتى مع هذا الإله بذاته؟

هو سؤالٌ لطالما طرحته على نفسي، وأحياناً على من حولي مِمن وثقتُ باسقلاليتهم الفكرية وتفتُح وعيهم وقدرتهم على التحليل، ولطالما تنوعت أجوبة هؤلاء وتشعبت بحجم الأفكار والخبرات وطرق التحليل ومدى الحرية الفكرية التي تمتعوا بها.

أما عن أسباب إثارتي هذا الموضوع اليوم، فهي لا تقف فقط عند أهمية هذا السؤال كموضوع لا مهرب من طرحه في يوم من الأيام على أنفسنا، بل تتعدى ذلك إلى ما نشهده في حياتنا ومجتمعاتنا وواقعنا السياسي المحلي والإقليمي هذه الأيام من استعمال مُقزز للمعتقدات الدينية دون حدود في مواقع أنتجت وتنتج حجماً مُخيفاً ومُرعباً من القتل والدمار والعنف وتقهقر العقل لصالح غير مشيئته، وذلك باسم الدين أو القائد الذي يدعي تمثيله له، وباسم الإيمان أو بهدف تنفيذ ما يعتقدهُ كثيرٌ من الناس "أوامر الخالق".

ولا شك أنّ كثيراً من المُفكرين عبر التاريخ تعرضوا بشكل أكبر لهذا الموضوع الشائك وتحديداً في لحظات الصدمة من حوادث عاشوها ولم يتمكنوا من استيعاب نتائجها، فكانت ردة فعلهم أمام هول الزلازل والكوارث الطبيعية مثلاً ونسبة الضحايا التي حصدتها أو أمام همجيّة الحروب وما أدت إليه من ضحايا، ما جعل هؤلاء يُعيدون النظر في كل ما يدور حولهم وفي كل المعتقدات التي أرستها لهم مجتمعاتهم.

والأسوأ أننا في مُجتمعنا نَسيرُ بِخـُـطىً مُتسارعة إلى الوراء، فبعد أن كان جيلنا أيام الدراسة يتفاجأ مثلاً بالمجازر التي اقترفها جمال باشا السفاح في عهد السلطنة العثمانية في لبنان، أصبح فعله في أيامنا هذه، أمام واقع ما نشهده، لا يدعو للإستغراب بل يمر مرور الكرام أمام هول المذابح وأعمال القتل التي نشهدها كل يوم في بلادنا العربية، وكأنّ عقلنا أصبح مُبرمجاً لقبول كل ما يجري، وما عاد يتوقف عند "سفاح" مرّ في التاريخ، لأننا نرى آلاف السفاحين أمامنا كل يوم يقتلون بدم باردة وأحياناً كثيرة باسم الإله.

فهل للتَمَذهُب الديني دورٌ في كل ما يجري اليوم؟ بل هل أنّ الدين بحد ذاته يُولد بطبيعة تركيبته هذا التعصب أم أنّ شكل التلقين الديني هو السبب في إعادة إنتاج الإنسان المُبَرمَج لأداء مُهمة مُحددة، ليس له تخطيها تحت طائلة خرق الإلتزامات التي تفرضها عليه السماء؟

لست بوارد الإجابة عن السؤال الأخير الآن، لكنني سأكتفي بالإجابة عن السؤال عُنوان هذه المقالة، هل على الإنسان المُؤمن أن يَحُدَّ نفسه في علاقته بإلهه بحدود يحكمها طابع الخضوع لهذا الخالق؟ أم على العكس؟

برأيي وبإيماني ووعيي أدّعي أنه لا يمكن أن يكون الله قد وَهَبَ الإنسان العقل ليكون هذا الأخير عبداً، فالعبوديّة نقيض وعينا العقلي، ولا يمكن أن يكون وهَبَهُ المنطق ليكون آلـة مُبرمجة، أو وَهَبُهُ القدرة على التحليل ليكون يرتهن نفسه للتبعية العمياء.

لا يمكن للإنسان الحقيقي الذي أراده الله أن يكون دُمية بيد أي إنسان آخر، ولا حتى دُمية بيد الله، وبالتالي لا يريدهُ أن يكون خاضعاً أو عبداً لأحد، حتى له (أي لله)، بل بعكس ذلك، فالله الذي خلق العقل للإنسان، قد أرشدهُ إلى حرية المعرفة وأعطاه سلاح التطور، وهذا السلاح بطبيعة تكوينه مبني على ذخيرة البحث الدائم والمُستمر في كل ما يدور من حول الإنسان من أمور، وقد يُؤدي هذا البحث إلى تدمير شامل للثقافة التي نشأ عليها الإنسان منذ صغره، مهما كانت خلفية أو نوع هذه الثقافة.

وبالتالي من غير الطبيعي أن يضع الخالق مَوانعَ على استعمال الإنسان للعقل الذي أمدّه به.

فكي تنتصر إرادة الله والغاية من منحه العقول لأصحابها، من الطبيعي بل لابد أن تُترجَم قمة الإيمان عند أي إنسان في مدى استعماله عقله والارتقاء بوعيه الفكري وإنضاج معرفته وطاقته، فالتدرج على سُلّم التطور الإنساني يتطلب في بديهيات الأمور الثورة على كل ما قد يقف بوجه الإنسان من عوائق، مُنطلقاً خارج أي أحكام مُسبقة أو تأثُيرات اجتماعية وعقائدية أو انحياز فكري.

في إحدى أساطير الحضارة البابليّة القديمة تظهر قصة الإلهة "أنانا" وهي تُخاطب "جلجامش" بطل مدينة أوروك وملكها (وهذا الأخير ثلثه إله وثلثاه إنسان بحسب الأسطورة)، وتعرض الإلهة "أنانا" عليه حُبّها، غير أنّ "جلجامش" يرفضه، فتطلب "أنانا" من والدها "آن" (رب السماء حسب الاسطورة) أن يُعيرها "ثورَ السماء" لتهبط به إلى الأرض وتقتل به "جلجامش"، لكن هذا الأخير يُواجه "ثور السماء" ويتمكن من قطع رأسه.

هذه الأسطورة تنتهي بتفوق الإنسان المُتطور (الإنسان المُرتقي - الإله) على مبعوث الإلهة "أنانا" (التي تمثل بنظرنا السلطة المُتكلمة باسم الإله).

فلنرتقي بانساننا نحو الأعلى، لأنّ لا أمل أن تكتمل صورة الإيمان الإنساني بشكلها الأبهى إلا عن طريق تحرير الإنسان من أي ارتهان بشري أو أو ديني أو إلهي.

فكي نفهم الخالق، لا بد أن نسعى للتفوق على نفسنا وعلى مُسلّماتنا، وبالتالي الثورة على خضوعنا لمن يدعي تمثيل الخالق، ثم عليه نفسه، للوصول إلى معرفته.

باسل عبدالله
2/2/2014


رواية خطاب راكان في الزمان وأهله - باسل عبدالله







باسـل عبدالله



خـطـاب راكـان
فـي الزمان وأهله


(رواية تبحث عن الحقيقة في الخيال)




دار الفارابي









الكتاب: خـطـاب راكـان في الزمان وأهله
المؤلف: باسـل عبدالله
لوحة الغلاف: بريشة المؤلف

الناشر: دار الفارابي - بيروت - لبنان
        ت: 301461(01) ـ فاكس: 307775(01)
        ص.ب: 3181/11 ـــــ الرمز البريدي: 2130 1107
e-mail: info@dar-alfarabi.com                                                   
www.dar-alfarabi.com                                                                
الطبعة الأولى 2012
ISBN: 978-9953-71-751-7

 # جميع الحقوق محفوظة 





تـوطـئـة

تتناول هذه الرواية أحداثاً خياليّة تقع على جزيرة مُختلـقة. يروي فيها الأمير زايان (بطل الرواية) انفعالاته الإنسانية التي رافقت نموه في قصر مملكة الجزيرة، وتوقه الدائم إلى التفكير والبحث في أمور كثيرة ما كان يفترض به التعرض لها.
ورغم أنّ الرواية تتحدث عن ديانة يتبناها أهل الجزيرة، غير أن هذه الديانة هي من نسج الخيال، ولا تمت بصلة بتاتاً إلى تقاليد أي مجتمع من مجتمعات هذا العالم. وبالتالي لا يجوز تشبيهها بأية ديانة أو معتقد في عالمنا.
أُهدي هذه الرواية إلى كل من آمن على وجه هذه الأرض بقِيم إنسانية هَواؤها النقي الحرية وعمودها الفقري العدالة وانبعاثها السرمدي المحبة!
أهديها إلى كل من ترجم إيمانه بقيَمِه على أرض الواقع بطريقة عملية، وإلى كل من حاول ذلك أو ما زال ينتظر أن يتمكن يوماً من تظهير قيمه ونقلها من حيز التفكير إلى حيز التعبير!
أُهديها إلى كل باحثٍ عن حقيقة وجوده، لم يكتف في بحثه بتبني الثقافة المتداولة في مُحيطه الصغير، بل تعداها واستلهم من أعماق نفْسه ومن وجوه من أحاطوا به ومن مسار عالمه، طريقاً تُرشده إلى هذه الحقيقة!
وأخيراً، أُهديها إلى كل من مرّ بلحظاتٍ من الاضطراب والخوف والضعف والإحباط، واستفاد ممّا اختبره من مشاعر ليرتقي بشخصيته نحو الأفضل!

                                                                              الـمؤلـف









المقدمة

روائحُ كريهة لا تُحتمل! وغبارٌ كثيف يتطاير أمام وجهي مع كل خطوة أخطوها متقدماً داخل هذا القبو!
باتت متابعة السير أمراً مزعجاً مع امتزاج الرائحة الكريهة المنبعثة من القبو برائحة اللهب المنبثق من المشاعل التي كنا نسترشد بها أثناء اختراق هذه السراديب الضيقة.
أشعر بضيقٍ في النفس مع بعض الغثيان. وما زاد الأمر سوءاً، أن مجموعة كبيرة من الجرذان، ترافق، بشكل مُفاجئ واحتفالي، خطواتنا وتقدمنا.
 "كم من السنين قد مرَّت مذ دخل آخر بشري هذا القبو!" قلتُ لمرافقي مُتسائلاً، ثم ما لبثت أن أجبتُ بنفسي عن تساؤلي: "أكثر من مئة عام على ما أظن!".
من سوء حظي أنْ طلب مني المرشد نومان - المرشد الرابع للجزيرة- النزول إلى هذا القبو الذي يقع أسفل قصر مملكتنا للبحث عما قد تقع عليه يدي من مخطوطات أو كتب قد تُفيدني في استكمال موسوعة تاريخية، كلفني هذا الأخير أن أُحضِّرها، تقصُّ تاريخ الجزيرة القديم.
***
كان هذا القبو لا يزال مقفلاً منذ أعوام عديدة بأمر من جدِّ مرشدنا نومان واسمه نيزان (مرشد الجزيرة الثاني)، المتوفى منذ أكثر من سبعين عاماً.
إنّ معرفة المرشد نومان الوثيقة بي وثقته الكبيرة بقدراتي، أنا شوراس، جعلتاه لا يأتمن أحداً سواي على دخول هذا القبو!
لا أنكر أنني لطالما تمنيتُ أن توكل إليَّ مهمة وضع هذه المخطوطة، بصفتي مسؤول الأبحاث والأرشفة في الجزيرة، غير أنني لم أعرف أنها قد تتطلب مني دخول هذا القبو القذر.
***
هنالك كمٌّ هائل من المخطوطات والكتب، والبحث بينها أمر مضنٍ. ورغم مساعدة مرافقي لي، فإن طبيعة بحثي اضطرتني إلى أن أطلّع بنفسي وبالتفصيل على كل كتاب ومخطوطة نجدها، كي أُقدِّر مدى فائدة كل منها لبحثي.
بعد ثلاث ساعات من البحث داخل القبو، عثرتُ صدفة على خزنة صغيرة مقفلة بإحكام، زرعت في مكان غير ظاهر، في أحد جدران القبو.
طلبتُ من مرافقي أن ينزعوا أقفال الخزنة بانتباه وبشكل لا يُتلف ما تحتويه. فبادروا بعناية إلى تنفيذ ما طلبت واستطاعوا فتحها وأخرجوا منها مخطوطة قديمة جداً وممزقة بعض الشيء، بالكاد تمكنت، لشدّة اتساخها، من قراءة العنوان التالي المكتوب بخط كبير على صفحتها الأولى وهو:
 "خطاب راكان في الله".
أخرجتُ هذه المخطوطة من القبو، لأنها أهم ما ظفرَت به يداي ذلك اليوم، وأخذتها معي إلى منزلي.
وبعد أن أزلت عنها بعض ما استطعت إزالته من غبار، جلست في مكتبي أقرأ ما احتوته صفحاتها.
***







الفصل الأول

مملكة ياوار

في قصر جزيرةٍ جميلة اسمها "يَاوار"، وُلدت.
وتحت أشعة شمس ترسم بين أحضان السهول والتلال والغابات والسواقي أبهى ألوان طبيعتنا الخلابة، ترعرعت.
وفي قلب مملكة صغيرة تضم شعباً يُعدُّ بعشرات الآلاف، نشأت واكتسبت هويتي.
كنتُ مثلي مثل باقي الأطفال في القصر الكبير، أحظى بمعاملة مميزة. فنحن أحفاد الملك واوان، وجيل أمراء المستقبل لعائلة مملكة ياوار الحاكمة على هذه الجزيرة منذ زمن بعيد.
***
تعاقبَ على خلافة المملكة، منذ عقود خلت، عدة ملوك من سلالة الملك واوان، التزموا جميعاً تعاليم مؤسس مملكتنا، جدّنا الأول ياوار، الذي نُسب اسم الجزيرة إليه، كما حَملت أيضاً اسمه العائلة المالكة.
سلطة جدي الأول هي سلطة إلهية، استمدت من وحيٍ أنزله عليه إله عظيم، طلب منه تأسيس ديانة تُمجّد وتنشر تعاليم هذا الإله في شتى أنحاء الجزيرة.
وقد توالى على حكم المملكة أولاد جدي الأوّل ياوار وأحفاده من بعده. وقد التزم جميع هؤلاء تعاليمه، وعبدوا ومجدوا إلهه، واتكلوا عليه في كل أمر، وفي جميع المشاكل والعقبات التي واجهت المملكة، واستكملوا نشر ديانته في جميع أنحاء الجزيرة حتى اعتنقها السكان وأصبحت دين الجزيرة الأوحد.
تقول تعاليم ديانتنا إنّ إله الجزيرة والمملكة والبحار عرشه السماء، خلف المسافات المرئية وغير المرئية، وأنه جبّارٌ قهارٌ أزلي، عادل كل العدل، مُنصفٌ كل الإنصاف، يخدمهُ الجان والملائكة ويعبدونه بكل تقوى. وهو يُراقب كل فرد في جزيرتنا، فيَزنُ أعمال كل منهم، فرداً فرداً، ويصنّف الحسن منها والسيئ. كما يراقب صلاة أهل الجزيرة والتزاماتهم تجاهه، حتى يُحاسبهم عندما يتلقى أرواحهم بعد الموت على ممارساتهم وأفعالهم وعلى ما أدّوه في حياتهم من خير وشر. وعلى هذا الأساس ينال كل منهم - بنسبة إيمانه والطقوس التي يمارسها وأعماله الدنيوية - الحياة الأبدية أو الفناء الأبدي.
وتتحدث تعاليم ديانتنا عن أن إله الجزيرة، كلّف سكانها، بوساطة جدي الأول ياوار، أن يعبدوه ويطلبوا رحمته في الأفراح والأتراح، وفي الانتصارات الكبيرة كما في الأزمات والشدائد. وعلى هذا الأساس توارثت عائلة جدي الأول تعاليمَ إلههم حول أصول العبادات والطقوس الواجب تمجيده بها!
***
مُلوك الجزيرة المتتابعون من أيام جدي الأول ياوار حافظوا على ولائهم وولاء شعب الجزيرة المطلق لإله سمائهم الاسمى. وشُـيِّدَت لسكان الجزيرة معابد لتكريمه والصلاة له.
وتوزعت الطقوس الخاصة المنسوبة إلى ديانتنا والواجبة الاتباع لنيل رضا الإله على التزامات وأضاحٍ، منها اليومي ومنها الأسبوعي ومنها الشهري ومنها السنوي.
كذلك تعددت أنواع الصلاة، وتمثّل أغربها بحركات دورية شبه بهلوانية، يقوم بها الأفراد، ترتكز على تحريك الرجلين واليدين بسرعة إلى الأمام والوراء، بطرائق متنوعة ومتعددة مع تحريك الرأس يميناً وشمالاً، حتى يصل ممارسها إلى حالة من عدم التوازن، يصفها أهل جزيرتنا بالانخطاف.
***
ثلاث جزر قريبة، على مسافات متفاوتة، كانت تحيط بجزيرتنا. وكان لكل مملكة من ممالك هذه الجزر ديانتها الخاصة. وكانت ديانة كل مملكة تدّعي الوحي الإلهي.
وبناءً على أبحاث خاصة قمتُ بها لاحقاً، واستناداً إلى معلومات استقيتها من أمراء أتوا في زيارات متفرقة إلى جزيرتنا، استنتجت أن ديانات تلك الجزر تختلف عن ديانتنا بتعريف ووصف آلهتها وبأشكال معابدها وأنواع عاداتها ونمط طقوسها. لكن ما يجمع بينها وبين ديانتنا أمران، الأول نظرية الوحي الإلهي، والثاني غرابة الطقوس والتقاليد المعتمدة فيها.
وأذكر جيداً عندما كنت صغيراً، كيف انتشر نبأ انفجار بركان جزيرة "نرَوا" الكبير، الذي حصد آلاف القتلى. ولا يغيب عن بالي، كيف أن مملكتنا ساهمت في إمداد مملكة "نرَوا" بالعون والمساعدات عند وقوع هذه الفاجعة المؤلمة بأهلها. فتعاليم جدّنا الأول ياوار (صاحب الوحي) شدّدت على وجوب مساندة كل من يحتاج إلى دعمنا، حتى لو انتموا إلى معتقدات أخرى.
هذا لم يمنع سخرية بعض أمراء وكهنة القصر واستهزاءهم في السر من مصيبة أهل جزيرة "نرَوا"، معلّلين سبب المصيبة التي حلت بهم إلى أنّ أهل "نرَوا" قد "أخطأوا الإله!".
***
القصر الكبير، الذي جمع سلالة العائلة المالكة في جزيرتنا يقع على بوابة جنوب الجزيرة. وقد كانت الأشجار تحيط به من كل صوب، بينما تفترش السهول الخضراء واجهته الجنوبية، وتمتد بحيرة واسعة شرقه.
في مكان تشييد هذا القصر نزل الوحي الإلهي على جدي الأول. واستقبل هذا القصر ملوك وأمراء عائلة ياوار. ويسكن فيه اليوم جدّي الملك وجدتي الملكة وأخوة الملك وأقرباؤه الأمراء، وابنه ولي العهد، وباقي أولاده، ومنهم ابنته ساريا وهي أمي.
أما والِدِي لاواي فهو من طليعة فرسان المملكة الشجعان والأكفاء وقائد حرس المملكة وجنودها. ولا شك في أن شجاعته كفارس، بالإضافة إلى صداقة والده للملك، أعطتاه شرف مصاهرة هذا الأخير، فتزوج ابنته. وقد اسماني أبي "زايان" نسبة إلى والده صديق الملك.
***
كان لأطفال القصر من أحفاد الملك وأولاد أمراء العائلة المالكة معاملات وترتيبات خاصة في طريقة تربيتهم وتثقيفهم. فقد كانوا يتتلمذون على أيدي أمهر أساتذة الجزيرة، ويتعلمون ديانتهم على أيدي أهم الكهنة فيها.
وبطبيعة ترتيبات القصر الصارمة، التزمت تلقي تعاليم ديانتنا، مثلي مثل باقي أحفاد الملك وأبناء الأمراء، على أيدي كبار كهنة الجزيرة.
إضافة إلى ذكر الله الدائم الذي رافق مراحل وعينا الأولى عن طريق والديّ ومحيطي، فإنّ كبير كهنة الجزيرة كان أوّل من تولى تلقيننا أول دروس صف الديانة عند بلوغنا سن الحادية عشرة، أنا وباقي أترابي من أمراء القصر الصغار. وأول رواية سمعتها في هذا الصف قصة الوحي الأول وكيفية نزوله من إله الجزيرة على جدِّنا الأول ياوار. وكيف كلفه الإله نشر ديانته بين أفراد الجزيرة.
كانت هذه الرواية من أجمل الروايات التي سمعتها في حياتي على الإطلاق، فقد بعثَت بي وبزملائي في الصف، عند تلقيها، نشوة وفرحاً لم يتكررا مجدداً حسبما أذكر! فطريقة سردها من قبل كبير الكهنة كانت ممتازة.. بل خارقة! حيث كان يعطيها جهداً كبيراً وتعابير زادت جمالها تشويقاً.
ولطالما اعتقدنا حينئذ بأن إله الجزيرة كان يُلهم كبير كهنتنا ليقوم بأدائه المتميز في تلاوة روايات الوحي الأول. ولا تغيب عن بالي ضراوة الجدال الذي كان يندلع بيننا، نحن تلامذة صفه، لتحديد المكان الذي نزل منه الإلهام على كبير كهنتنا أثناء سرده رواياته!
***
كان جزء كبير من صف الشرح الديني يعتمد على تعظيم إله الجزيرة، ويدعونا إلى أن نتعلم محبة الله بحجة أنه أعطانا نعمة العيش وأغدق علينا حسناته وسخّر ثمار الجزيرة ومخلوقاتها لتلبية حاجاتنا.
وكانت الدروس الكهنوتية وعظات الكهنة تفعلُ فعلها بي، فأدخل حالة من الاندهاش والانبهار. فرضاي على ما أتلقاه كان كبيراً! حتى أنني كنت أخرج بعد انتهاء دروس التلقين، فأظل لساعات عديدة سابحاً في عالمٍ رائع حاكه لي أحد كبار أساتذتي من كهنة المملكة!
***






الفصل الثاني

سنوات الطفولة

كنا نُمضي معظم أوقات فراغنا، أنا وباقي صغار الأمراء من فتيات وفتيان، في اللعب والهرولة والصراخ حول بركة الماء في حديقة القصر الكبيرة. لكنني، بشهادة أهل القصر، انفردتُ عن رفاقي بميزة، أبدى بعض المُحتكين بي من كهنة وأساتذة وأمراء انزعاجهم منها وانتقادهم لها. ووصل صداها إلى أبعد ما كنت أرغب أو أتوقع! فاعتبروها خصلة سيئة يجب عليَّ التخلص منها في أسرع وقت ممكن!
وقد نلتُ، بسبب هذه الميزة، ألقاباً عديدة انهمرت عليّ منها: "الأمير الحشري" و"الأمير المتسرّع"، وأسوأها: "الأمير الوقح". وهذا اللقب الأخير بالتحديد أطلقه عليَّ بنفسه كبير كهنة الجزيرة!!
السبب في شيوع صيت الوقاحة على هذا النحو، يعود إلى كم الأسئلة والاستفسارات غير المألوفة والغريبة (كما كانوا يقولون) التي كنت أطرحها على من حولي.
كان أساتذتنا من الكهنة أكثر المنزعجين من "وقاحتي" ومن أسئلتي الدائمة الحائرة عن كل أمر! وخصوصاً في موضوع إلهنا. فالأمر، بالنسبة إليهم، كان غيرَ مقبولٍ إطلاقاً. لكن سبب تذمرهم باعتقادي، كان يعود، من جهة، إلى عدم تمكنهم يوماً من إيجاد إجابات تُرضي تساؤلاتي، ومن جهة أخرى، إلى خوفهم من استخفاف أمراء القصر بهم في حال عجزوا عن إقفال فم صبي صغير ببعض الإجابات المرضية. ولعلّ أخطر ما كان يُرعبهم هو أن تتسرب أخبار كهذه إلى الملك، مما قد يُعرضهم للتوبيخ ولربما لنتائج أخرى وخيمة.
***
في أحد الأيام، وفي أثناء درس الديانة، استغللت وجود كاهن بديل محل كبير الكهنة الغائب بسبب المرض، وطرحتُ أحد أسئلتي الوقحة عليه.
سألته: "ما شكل الله؟ هل يُطلُّ على جزيرتنا؟ وهل نستطيع أن نراه وأن نتكلم معه؟ وهل من الممكن مُقابلته؟"
ردة الفعل الأولى جاءت من تلامذة الصف، فبعضهم ضحك، وبعضهم راح يصفّر، وبعضهم الآخر اكتفى بِتبادل الوشوشة. أما ردة فعل الكاهن البديل فقد تجلّت بعقدتين تسَمَّرَتا فوق حاجبيه، مُتْبِعاً إياهما بعلامة تعجب ظهرت على وجهه، وانحناء بنظره نحو الأسفل كمن يريد التعبير، بطريقة إيمائية، عن استيائه من سؤالٍ كان يجب ألا يُطرح وانزعاجه من ردّة فعلٍ غير مؤدّبة قام بها زملائي في الصف.
لكن أستاذنا ما لبث بعدها أن تمالك نفسه أمامنا، مُعبراً بحركة انفعالية (تمثيلية على ما أظن)، عن عدم رضاه. وليقول لي بعدها بشكل جازم، بأنني يوماً ما سأتعرف إلى وجه إله ياوار عندما ترتحل نفسي إليه بعد الموت.
ثم أردف مُنبِّهاً من أن أسئلة كهذه لا يجوز طرحها من قبل صبي في مثل عمري، وختم تعليقه متوجهاً إلي بالملاحظة التالية:
 "الصبي في مثل عمرك يجب أن يُفكر في اللعب وتلقي الدروس فقط، وليس في طرح الأسئلة الوقحة!".
بالنسبةِ إلي، كانت ردّة فعله طبيعية، رغم أنني كنتُ قد أملت أن أحصل على إجابة مُعاكسة. ولا أنكر أنني لُمتُ نفسي بعد ذلك على طرحي سؤالاً استفزازياً كهذا! كما لا أنكر أن ربط الكاهن لسؤالي بإجابة المعرفة ما بعد الموت، أرعبني كثيراً. فبالطبع لم يكن في نيتي أو توقعتُ يوماً أنني سأموت! حتى أنني لم أفكر في هذا الموضوع أصلاً!
***
لم يَمض يومان على هذه المواجهة حتى توالت الأحداث معي، فقد كانت لجاجتي تزداد وأسئلتي تتبلور بوسائل أخرى غير متوقعة.
في إحدى الليالي، وبينما كنت مُستغرقاً في النوم، استيقظت مُضطربا، وانتفضتُ من فراشي مُرتعباً ومذهولاً وشارعاً بالبكاء... هو حلمٌ غريب، التقيت فيه ثلاثة ملائكة بدوا لي طيبين إلى حد أنني انتهزتُ الفرصة لأسألهم عن شكل الله. غير أنهم بدلاً من أن يُجيبوني إجابة مُرضية، عَقدوا حواجبهم بوجهي كما فعل الكاهن في الصف، وكرَّرُوا لي دفعة واحدة كلماته:
 "الصبي في مثل عمرك يجب أن يُفكر في اللعب وتلقي الدروس فقط، وليس في طرح الأسئلة الوقحة!".
ردّة فعلهم كانت بالنسبة إلي عنيفة ومخيفة في آن. فلم أتوقع من هؤلاء أيضاً أن يُعاملوني بهذه الطريقة وأن يجيبوا عن سؤالي بهذه القسوة. فلطالما اعتقدت أن الملائكة أرأف بنا من كهنتنا، فإذ بهم أكثر تشدداً!
كان من الطبيعي أن تكون ردة فعلي على هذا الحلم المزعج صرخة ارتعاب تبحث عن منجد!
والمنجد ليلتئذ لم يكن سوى أمي التي تنبهت لصرختي فأسرعت من الغرفة المجاورة لغرفتي، وضمتني تواً إلى صدرها واستفسرت عن سبب ارتعابي.
الجواب عنها كان حاضراً، ولكن على شاكلة سؤال توجهتُ به إليها. فقد رددتُ لها بنقنقة رافقت بكائي: "ما هو شكل الله؟... وكيف يمكننا أن نلتقيه؟... وهل علينا انتظار الموت؟ وهل هو سريع الغضب كملائكته؟"
ردّة فعل أمي راوحت بين التعجب والمفاجأة، مع تمتمة بذكر متتالٍ لاسم الله، كمن يطلب العفو منه أو يواكب ظهوراً عجائبياً له، ربما اعتقدَت مَصدره حلمي. لكن الأمر لم يستغرق سوى ثوانٍ استدركت بعدها حالتي الحساسة وعادت لتتعامل بدراية مع اضطرابي وارتجافي، مادَّةً لي يد العون، ولكن بطريقة مختلفة.
أجابت أمي عن سؤالي إجابةً جدّ بديهية لإنسان تربَّى على فكرة الإله على الطريقة اليوارية. فقد قالت لي: " نم يا حبيبي نم، لماذا تريد أن تعرف ما هو شكل الله؟ المهم أن تعرف أنه يُحبنا، ويحب الأطفال خصوصاً، ويحب الخير ويكره الشر، وأنت لا تفعل الشر! أليس كذلك؟"
ثم أنهت إجابتها بالقول: " أنظر في قلبك، تجد الله... فالله عظيم جداً إلى درجة أنه يسكن قلوبنا الصغيرة!"
لم أفهم عبارتها الأخيرة، ولكن أمي نجحَت في تهدئة قلقي ومُداراة شغفي بمعرفة شكل أو وجه الله، عن طريق التلاعب بالإجابة وكسر السؤال. ولا أنكر أنني لم أتوقع إجابة أفضل، حتى أنني وجدتُ أن أمي تستطيعُ الإجابة عن سؤال كهذا بطريقة أفضل بكثير من كاهن صف الدين أو من ملائكة الحلم!!
تصريحٌ جميل احتجت إليه حينئذ، وإجابة طبيعية جعلتني أتنازلُ عن سؤالي. حتى أنني لم أحتج أن أجيب عن سؤالها لأنني شعرتُ أنه لم يُطرح إلا من أجل تهدئة انفعالي. وفي جميع الأحوال فإن الإجابة عنه كانت بديهية، فما همّي أنا بشكل وجه الله!
ولا أنكر أنّ ابتسامة أمي الاسترضائية لي ولمساتها الحنونة، واختتام تصريحها بقبلة على الجبين مع تمرير يدها الناعمة برفق بين خصلات شعري، جعلتني أستغني عن سؤالي، وساهمت مساهمة فعّالة، تلك الليلة، بإخماد كل ما اشتعل في نفسي من أسئلة!
***
حين حاولت لاحقاً تفسير حلمي، عطفته مباشرةً على الجدال الذي دار بيني وبين أستاذ صف الديانة قبل أيام من ذلك الحلم. واعتبرتُ نفسي على قدر من الغباوة، لأنني استصعبت دوماً فهم الأمور من دون إعطاء أمثلة عليها، مبرراً لنفسي أن سبب هذا الضعف، كان لربما اعتيادي الدائم في الصف، في جميع المواد التي درستها، أن أطلب مثلاً حسياً كي أفهم ما يُعرض علي! فكيف في أمر يتعلق بخالق السماء والجزيرة!
قد يكون سبب تأخري في طرح هذا السؤال على نفسي وبكائي للحصول على إجابة عنه، لا يتعلقان بمدى خطورة الموضوع المطروح، بل كانا نتاج طبيعة التعاليم الدينية التي كانت تُسقط عليّ وعلى زملائي في الصف إسقاطاً، وتضعني في موضع لا يجوز لي فيه أن أسأل، بل عليّ أن أتلقّى فقط!
لا بدّ أن حلُمي تلك الليلة كان يَنمُّ عن محاولة اعتراض من لا وعيي على معضلة لا حل لها، أو محاولة يائسة مني لأجبر أحداً من الجان أو الملائكة، بحكم استلطافي لقصصهم (قبل مواجهتي لثلاثة منهم في ذلك الحلم)، بأن يَظهر علي بِداعي الإشفاق، فيتبرع بأن يُجيب عن سؤالي، فيُشفي غليلي!
بعد أيام على تلك الحادثة، وَعَدتُ نفسي بألا أطرح هذا السؤال مجدداً! واستعنتُ لهذا الغرض بأن رددتُ في سرِّي ما قاله لي الكاهن وبعده الملائكة: "الصبي في مثل عمري يجب أن يُفكر في اللعب وتلقي الدروس فقط، وليس في طرح الأسئلة الوقحة!"
***








الفصل الثالث

تطور الوعي

توالت الأيام على تلك الحادثة، حتى بلغْتُ الثالثة عشرة من عمري. وفي هذه السن، اكتشفتُ أول مشاعري في الحب حين أعجبتُ بإحدى أجمل أميرات قصرنا على الإطلاق وتُدعى تاليا.
لم أكن أنا الفتى الوحيد الذي وقع في حبها، بل سرقت هذه الفتاة قلوب معظم الأمراء من أبناء سني. فكان هؤلاء، خلافاً لي، لا يُفوِّتون فرصة ممكنة للتودد إليها أو مُلاطفتها، في سبيل ابتسامة منها أو محادثة معها، بينما ترفّعتُ أنا عن ذلك.
تميزَت تاليا بعينين خضراوين كبيرتين تلألأتا على وجه رقيقٍ مُستدير، بثّ بغمازتيه أسفل خديها، كلما ضحكت، جاذبيةً ونعومة لا مثيل لهما.
***
كنتُ في الحب كثير الخجل، على عكس ما عَرفه عني مُحيطي في الأسئلة الأخرى. فلم أجرؤ يوماً على البوح لتاليا بإعجابي، بل اكتفيتُ بملاحقتها بنظراتي كلما التقيتها. أما هي، فيبدو أنها كانت على دراية تامة بحالتي، لكنها ربما توقعت أن أحاول التودد إليها كما فعل باقي الأمراء الشباب، لكنني خيّبتُ ظنها عندما لم أفعل!
في أحد الأيام، وبينما كنتُ مُستلقياً في حديقة القصر الكبيرة أتأمل سماء جزيرتنا، فوجئت بتاليا تظهرُ خلفي في الحديقة وتقترب نحوي ببطء، مُطلقةً، وهي تُحدّق إلى السماء بانزعاج، دون أن تلتفت إلي، عبارة: "كم الطقس حارٌّ اليوم، وكم الشمس ساطعة!!". شعرتُ بضرورة أن أعلّق على عبارتها، فأردفتُ قائلاً: "نعم، هذا صحيح،... الطقس حارٌّ جداً!"، ثم أقفلتُ فمي.
يبدو أنّ إجابتي لم ترقها، فأضافت، بعد أن اقتربت مني أكثر ووجّهت نظراتها إلي: "ماذا تفعل في الحديقة؟ فشمس الظهيرة قوية جداً!". أجبتها: "نعم... نعم! معكِ حق!.. لن يطول بقائي هنا!... لن يطول!"، وعُدتُ للصمت ملتقطاً أنفاسي من جديد. لكن تاليا لم تيأس، بل التفتت إلى زهور الحديقة قائلة: "كم جميلة هذه الورود الحمراء هناك، أليس كذلك يا زايان؟؟"، وأتبعَت أميرتنا كلماتها الأخيرة بنظرة استفزازية، وجّهتها إلى عينيّ مباشرة، زاد من إشعاعها الذهبي انعكاس ضوء الشمس عليها. فما كان مني إلا أن أجبتها بعد أن شتّتت نظراتها الساحرة أفكاري: "نعم... نعم،... هذا صحيح!"، ثمّ أضفت متهرباً بعد أن تلون وجهي بالأحمر: "... أنتِ على حق... الشمس قوية جداً اليوم،... ولذلك... لذلك،... سأدخل القصر الآن. أستأذنكِ".
لم تنتظرني تاليا حتى أنصرف، بل تحوّلت نظراتها الساحرة في لحظة إلى نظرات غضب. وقبل أن أهمّ بالتحرك من مكاني تنفيذاً لما صرحتُ لها به، أزاحت بسرعة نظراتها المباشرة عني، وانسحبَت من أمامي تاركة المكان، مُعلِنةً بضربة قاسية تلقتها كتفي اليسرى من كتفها اليمنى، وهي تهمّ بالابتعاد، امتعاضها من ردّة فعلي.
***
لم أشعر يوماً بالحرج، كما شعرتُ به حينذاك. فقد تخيّلتُ كتفها التي ارتطمت قصداً بكتفي، تقول لي عوضاً عن لسانها: "كم أنتَ جبان يا زايان!".
منذ ذلك اليوم، لم أعد أجرؤ على النظر إلى عيني تاليا وتجاهلتها نهائياً. 
بررتُ ما جرى بالقول إنه من غير الطبيعي أن يُعجب جميع أمراء القصر من أبناء سني بالفتاة نفسها!... هي جميلة، هذا هو سبب إعجاب الجميع بها. ومن هذا التبرير استنتجت أنّ حبي لتلك الفتاة كان غير جدِّي، بل كان على الأرجح مُجرّد غيرة من إعجاب الآخرين بها! وسلّمتُ بالتالي بأنّ مشاعري خانتني!
ورغم ذلك، فإنني بقيتُ على استغرابي من الخجل الذي شعرت به أمام تلك الفتاة، ولم أستوعب أن الأمير الوقح تمادى في خجله إلى هذا الحد. واستنتجت أيضاً بأنني أمتلك مشاعر متناقضة تحتاج إلى دراسةٍ أعمقَ بها!
***
في سن الرابعة عشرة، بدأتُ بمرافقة والدي في جولاته المختلفة في أنحاء الجزيرة، وتحديداً في رحلات الصيد في جنوب الجزيرة وفي غابتها. وكان هذا الأخير كلما أضاعني، وجدني قد تسلقتُ شجرة أو اخترت مكاناً مرتفعاً وتمددتُ عليه، مردداً إحدى الصلوات.
في إحدى هذه الرحلات في غابة الجزيرة، وكالعادة، استغللت انشغال والدي بالتحدث مع بعض الرجال، وتسللتُ بغفلة عنه بين الأشجار، مُتسلقاً صخرة ضخمة متعرّجة بشكل يسهُل الوصول إلى أعلاها بدون عناء كبير، وتمركزتُ في أعلى نقطةٍ منها لأبدأ بإنشاد إحدى أحدث الصلوات التي حفظتها من صف التعليم الديني الأخير.
لكن تعبيري لإله الجزيرة اختلف هذه المرة بعض الشيء عن تعبيراتي السابقة، فصوتي كان أقوى وأجرأ. وقد ساعدني السكون الذي لفّ ذلك المكان في الغابة، على أن أتمادى أكثر في إنشادي.
قلت في نفسي وأنا أنشِد: "ربما لفتّ انتباه إلهي إليّ، فأعجَبَهُ إنشادي وفرح بي، ثم تكرّم عليّ بالظهور أمامي من فسحةٍ ما في السماء لأطرح بعض الأسئلة عليه مما تعذر على الكاهن أو الملائكة أو أمي إجابتي عنها!".
ازدادت، مع ارتفاع صوتي، ثقتي بنفسي أكثر فأكثر، ما جعلني على يقين أكبر أنّ صوتي سيصل بسهولة إلى الله، وسيتسجيبُ لندائي بدون تردد. فلطالما أخبرنا الكهنة، وحتى أمي، بأن الله يحبُّ الصغار ويستجيبُ لطلباتهم.
تابعتُ الإنشاد، حتى وصلتُ إلى مرحلة لم يعد يُحيّرني فيها سوى معرفة المكان الذي سوف يُطل إلهي عليّ منه، لأني تأكدتُ أنّ اللقاء المنتظر قد اقترب موعده. فركزتُ انتباهي كي لا أفوت هذه الفرصة السانحة النادرة.
أردتُ من إلهي ببساطة أن يظهر عليّ مباشرة، بدون وسيط، مبرراً لنفسي طلبي الوقح الجديد هذا بتداعيات محاولاتي الفاشلة مع الوسطاء وآخرهم ملائكة حلمي الشهير.
***
 ... مرّت اللحظات ثم الدقائق ومعها اشتدت حدّة إنشادي حتى بُحَّ صوتي من الصراخ. وكي أتوِّج انفعالي الروحي الذي وصلت إليه، أغمضتُ عيني وبذلتُ أقصى طاقتي (وهذه قمة الإيمان!).
وفجأة استُجِيبَ طلبي، فقد سمعتُ صرخة مدويّة تنادي: "زايــــان!... زايـان، التفت إلي!".
شعرت بالرعب، فتوقفتُ مباشرة عن الإنشاد، دون الاجتراء على فتح عيني!
ثم سمعت مجدداً الصوت نفسه ينادي: "زايـان!... هل تسمعني؟"
قلتُ في نفسي: "رائع صوت الله، إنه ليس بغريب عن سمعي!... صدقت أمي عندما أخبرتني أنّه قريبٌ أكثر مما نتوقعه إلى قلوبنا!".
كان عليّ أن أفتح عيني، فحلمي برؤية إلهي أوشك أن يتحقق! وهكذا فعلتُ. لكنّ المشهد كان مُفاجئاً إلى حد أنه كان آخر مشهد توقعته!
***
وجدتُ والدي أمامي أسفل تلك الصخرة، عابساً عبسته التقليدية، محاولاً إظهار استيائه من اختفائي المفاجئ. والأرجح أنني لم أميز صوته لشدة انفعالي في أثناء إنشادي!
صرخ والدي بنبرة غاضبة: "إنزل إلى هنا أيها المُشاغب! لقد بحثتُ عنك طويلاً!!... عليّ في المرّة المُقبلة أن أكلِّف حارساً بك!".
اكتفى والدي بهذه العبارة وصمت، بل إنه ظلّ صامتاً لا يكلمني طوال رحلة العودة إلى القصر.
أما من ناحيتي، فقد بقي ضميري يُؤنبني طوال طريق العودة، فقد نكثتُ وعدي مجدداً وفشلت مرّة جديدة في الحصول على إجابة!
***
مع استكمالي سن الخامسة عشرة، بدأ يُسمح لي بدخول معبد القصر، مثلي مثل باقي أبناء سني. وبدأت التعاليم الدينية تتحول من الشكل النظري إلى الشكل التطبيقي، أي من إعطاء المعلومات إلى التدريب على الممارسات. فتعرفتُ على طريقة الصلاة ومواعيدها، وعلى طقوس العبادة الواجب التقيد بها.
في أول أسبوع كان الأمر جميلاً جداً... بل رائعاً. غير أنه ما لبث في الأسبوع الثاني أن أصبح أقل إثارة. وفي الأسبوع الثالث أقرب إلى الملل.
ورغم أن تكرار الطقوس كان أمراً ضرورياً، لكنه أضحى مع مرور الوقت، بالنسبة إلي، ضرورة مضجرة!
رغم ذلك، لم أتلكأ، بل استمررت في الزيارة الدورية إلى المعبد، كما التزمتُ طوعاً أيضاً الصلوات والطقوس المتوجبة عليّ. وذلك جِدُّ طبيعي، فكل من حولي يُمارسها، فلماذا أنا لا! ولكني تنبهتُ مع الوقت، إلى أنني أصبحتُ ألقي صلواتي بطريقةٍ سريعة، خالية من الأحاسيس... وببغائية في معظم الأحيان!
واكتشفتُ أيضاً، بأنّ إيماني قد تراجع. فقد كان في ذروته في سن الرابعة عشرة، عندما ناجيتُ الله من أعلى تلك الصخرة وطلبت منه أن يظهر عليّ. لكنني الآن لا آبه لظهوره، لأنني اقتنعتُ بأنه لا يريد ذلك. كما أنني الآن لا أكلّف نفسي عناء مناجاته لأنني اقتنعت أيضاً بأنه لن يُجيبني مهما انفعلت! 
ربما فقدتُ الأمل أو يئست من تكرار الممارسات نفسها كل يوم، أو ربما أصبحتُ أكثر واقعية! فإله الجزيرة مختبئ في مكان ما خلف السماء، ولا يظهر على الملأ لأحد، فلماذا أناجيه أنا إذن؟!
***
في سن الثامنة عشرة، توجه شغفي باتجاه آخر. فقد اهتممت بالاطلاع على تاريخ الجزيرة وإلهها. فما عدت أكتفي بدروس كهنتنا بل توسعَت مطالعاتي لتشمل البحث في مكتبة القصر، وتحديداً في الزاوية المخصصة للمراجع الدينية، عن معلومات أكبر قد تشفي غليل شاب يبحث عن "إله ضائع" في كتب قديمة، إلهٍ لم يتَعَرّف إليه إلا من خلال تقاليد وطقوس غريبة، وتافهة في بعض الأحيان.
وجدتُ الكثير من المخطوطات: اثنتان منها منقولتان عن جدي الأول ياوار، والمجموعة الباقية منظمة من قبل أولاده وأحفاده وبعض الكهنة القدامى.
وقد تناولَت أغلب هذه الكتب أقوالاً للرسول ياوار وأخباراً عنه، وباسمه عن إلهه، وتعاليم وروايات نُقلت عن لسانه، أرشَد بها أولاده وأحفاده وقومه.
بالمختصر المفيد، أجمعَت هذه المخطوطات في مضمونها على ما كنّا قد تلقيناه من دروس دينية من قِبل كهنة القصر، وفحواها أن إله جزيرتنا يُريدنا أن نكون أتقياء وأن نكرِّس قلوبنا لمحبته وعبادته وفعل الخير ونبذ الشر ونصرة الحق والالتزام بدِيانة صاحب الوحي جدنا الأوّل ياوار. وتردد كثيراً في هذه المخطوطات ما فحواه أن ديانتنا ترتكز على الإيمان المطلق بإلهٍ أوحى رسالته إلى جدنا الأول وشرّفه باختياره لينشر دينه في كل أنحاء الجزيرة.
بالإضافة إلى هذه المخطوطات، وجدتُ كمّاً هائلاً من الكتب التي صاغها كبار الكهنة، والتي تُفسِّر وتوضح وتؤسس لطرائق العبادات والتقاليد. وهذه الكتب بالذات هي أكثر الكتب تداولاً في القصر، كما في شتى أنحاء الجزيرة. وقد أخبرني أحد الكهنة بفخر عندما سألته عن هذه الكتب، بأن سكان الجزيرة لا يزالون ملتزمين تعاليمها بحذافيرها حتى يومنا هذا.
***
أذكر أنني كلما قرأتُ من كتب تلك المكتبة عن مبادئ الخير والعدل والمحبة كنتُ أبتهج، وكلما قرأت عن العادات والتقاليد والسلوكيات المحددة لأبناء الجزيرة في العبادة كنت أنزعج. لكنني بالطبع، وكما اعتدت، كنتُ كلما شعرتُ بالامتعاض، أستغفر إله الجزيرة عن امتعاضي ووقاحتي!
سببُ الامتعاض لم يكن، بادئ ذي بدء، جلياً بالنسبة إلي. لكن، مع مرور الوقت وتصفحي لمخطوطات وكتب الجزيرة الدينية، توضحت الصورة أكثر فأكثر. فقد اكتشفتُ، في الحقيقة، تناقضاً كبيراً بين المضمون الإنساني لبعض المبادئ وبين معظم الممارسات والطقوس العديمة الفائدة بنظري.
وأغرب ما في الأمر كان الإشارة الواضحة من بعض كتب الكهنة القدامى إلى أن خلودنا كبشر لا يمكن أن يتم إلا من خلال اتّباعنا تلك الطقوس وممارستنا تلك الصلوات.
***
مرة بعد مرة، زادت انتقاداتي وتدنّت استغفاراتي. وشعور الذنب عندي بعصيان إله الجزيرة ضؤل تدريجاً إلى أدنى مستوياته. أما ما حلّ محله، فكان رؤية أكثر عقلانية تحدد وجهة الأمور حسب انطباع داخلي محض وبعيداً عن إملاءات ديانتي وتعاليمها.
وقد انعكس هذا التحول على حياتي العملية، وبدأ بالظهور بصورة أوضح أكثر أمام أهل القصر. فقد صرت لا أكترث ولا أتقيد بالالتزامات والطقوس الدينية المطبقة منهم، وحتى من الملك نفسه، واعتبرتها لا تعنيني بشيء.
***
وما لبث كهنة القصر أن لاحظوا ابتعادي التدريجي عن ممارسة الطقوس والعبادات التي التزم الجميع بها. فتلقيتُ أولى الملاحظات من كبير كهنة القصر بعد أن طلب الاجتماع بي.
بدأ كبير الكهنة لقاءه معي بتعداد مناقبي وحسناتي، ثم ما لبث أن انتقل إلى غرضه من اللقاء، فحاول بحنكةٍ يصبغها شيء من اللطافة، تأنيبي على عدم أدائي فروضي، وطالبني برفقٍ الإقلاع عن تصرفاتي الشاذة والعودة إلى الإيمان الصحيح الذي يتجلى من خلال الالتزام بالصلوات والطقوس الواجب على الأمراء ممارستها، معتبراً إياها فرضاً ضرورياً لتقدير إله الجزيرة وشكره على خيره الذي أغدقه علينا، وشرطاً لنيلي نعمة الحياة بعد الموت.
ولم يتردد في تذكيري، من باب المزاح، باللقب الذي أطلَقه عليّ بنفسه في صغري. فأنهى حديثه معي بالقول: "أنا لا أريد يا أميرنا العزيز أن يستمر لقب "الأمير الوقح" معك لأنه إن كان قد رافقك في صغرك فهو لم يعد يليق بك الآن! أليس كذلك؟"
ثم ضحك ضحكة ثقيلة عبّرت عن شيء من الاستهزاء، وانصرف من غير أن يكلّف نفسه انتظار أية إجابة مني!
أما التأنيب الثاني فقد جاء أعنف لهجة وأكثر حدة من والدي. فلا بد أن كبير الكهنة استدعاه كما استدعاني ليخبره بقصتي.
فقد دخل والدي مرةّ عليّ في غرفتي ليُصرح لي برفضه انكفائي عن الصلاة وممارسة الطقوس المفترض أداؤها من قبل الأمراء.
لكنني لم أصمت هذه المرة، بل فضّلتُ الصراحة مع أبي. أجبته إجابة أظنها بدت مثالية جداً، فحْواها أنني صاحب مبادئ خيِّرة، أتحدى أن يمتلكها أحد من أهل هذا القصر. ثم سألته: "أليس هذا ما يرضي الله، أن نفعل الخير ونرفض الباطل؟!... أنا أفعل هذا!!"
فردّ والدي باستهزاء: "يا سعادتي بك لو علم ملكنا أنكَ أعرَضتَ عن الصلاة والعبادة وتركتَ التزاماتك الدينية، عندئذ بالتأكيد سيضع اللوم عليّ، وسيعتبر أنه أخطأ حين قبل زواج أمك بشخص من خارج سلالته!... أهذا ما تريده أيها الأمير زايان؟"
قال والدي كلماته ثم أدار وجهه ونهض عن الكرسي، كمن أراد أن يُظهِر مقدار غضبه من هول جرم اقترفته، وهمّ بالخروج من غرفتي.
لكنني استوقفته قائلاً: "أبي؟ وما نفع أن نُصلي ونمارس التزاماتنا الدينية وعباداتنا، إذا كانت لا تتفق مع سلوكنا في الحياة؟... هل من العدل أن أحاسَبَ على لا شيء؟... هل قتلت أحداً؟...هل ظلمت أحداً؟... هل سلبت حق أحد؟... هل تعرضتُ لأحدٍ بالسوء؟"
التفت والدي إليّ بوجهٍ تلوّن بين الأصفر والأخضر - قصداً على ما أظن- وكأنه أراد التعبير عن حجم الغضب الذي جعلته يصل إليه، وقال: "ماذا تقول يا ولد؟!"
أجبت سريعاً مُتخطياً خجل الولد أمام والده: "أبي؟ أليست أفعال الفرد منا هي التي تحدد صفاته؟ وما جدوى إضاعة الوقت بطقوس لا تجدي نفعاً، إذا كان الله بالفعل يريدنا أن نكون ذوي فائدة على أرضنا هذه!"
أضفت معطياً الدليل على كلامي: "... هو شدّد على ذلك في كتاب جدنا ياوار!... ألا توافقني في الرأي؟"
بَدا والدي في تلك اللحظات كمن اقتنع نهائياً بخروجي عن طاعته. ومن دون أن يقصد هذه المرة، كادت عيناه تخرجان من وجهه. وبعد أن أقفلتُ بوجههِ جميعَ الأبواب، أصدر حُكمه عليّ بكلمتين أخيرتين واضحتين: "أنت كافر!"... ثم خرج من غرفتي موصداً الباب وراءه بكل قوة كمن يقفل باب السجن بعد أسره ألد أعدائه.
***
إحساسٌ غريبٌ انتابني رافقه ترددٌ فظيع...
فكّرتُ: "لماذا فعلت هذا؟ هل كان كلامي غير منطقي أو قاسياً مع والدي؟؟... لا لا بالطبع لا!!"
ثم أردفتُ في نفسي: "هل سيأتيني عقاب الله؟؟؟... هل سيفنيني؟؟... ألن أحصل على الخلود؟"
تابعتُ: "نعم نعم، بالطبع، لن أحصل على الخلود الأبدي! لن أحصل على الخلود الأبدي!"
ثم أردفتُ مجدداً: "لا أظن أن أهل جزيرة "نرَوا" قد كفروا به حتى أودى بحياة الآلاف منهم في انفجار بُركاني!... إنه لا يتدخل في حياتنا، هذا ما اقتنعت به أخيراً!... ولكن لا أستطيع أن أعرف ما قد ينتظرني منه بعد موتي!"
أسئلة بسيطة عديدة من دون إجابات طرحتها على نفسي كمن يمرُّ في حالة هذيان، بينما كان العرق يتصبب من جسدي. ولا أنكر، في تلك اللحظة إحساسي بأنني - كما قال والدي - كافرٌ بامتياز!
***
كنت في تلك اللحظات أمهد لأحد قرارين، متعاكسي الاتجاه. الأول ينبعث من داخلي ويشعرني بالذنب، يدفعني للتحرر من كل ما يحيط بي ونزعِ رداء تربيتي الدينية الاجتماعية عني. والثاني، يجرُّني إلى أن أعود إلى المعبد فأصلي لإله الجزيرة صلاة الغفران!!
اغرورقت عيناي بالدموع، ورغبتُ في الصراخ كمولودٍ جديد خرج تواً إلى الحياة، دون أن يعرف البتة ما ينتظره فيها! لكنني استدركت... وعبرتُ بطريقتي الخاصة عما جال في خاطري في تلك الأثناء!
أفرغت بالكتابة خواطر وصفتُ بها حالتي، فكتبت:

"لمن أصلي؟"، سؤالٌ غريب!
تبادرَ إلى ذهني وأنا أصلي
اقترفتُ ذنباً، وما عساي أجيب؟
عن لوعة طرحتها في سُؤالي

اقترفتُ ذنباً لما شككت
في ربانِ سفينتي الوحيد
وكي أكفّر عن تَساؤلي اعتذرت
وأعدتُ صلاتِيَ من جديد

أعدتُ صلاتي بكل اعتناء
علّني ألتقط إشارة ً أمامي
علّكَ تُطلُّ من خلفِ السماء
لتُعيدني في بُرهةٍ إلى إيماني
***
تلوتُ دُعائي، وشبكتُ يَديْ
وأنت مازلتَ لا تظهرُ علي
رجاءً يا ربي.. تعبتُ الانتظار!
هلا التفتّ قليلاً إلي؟

هلا أمددتني قليلاً بالعون
كي أرسم مذهبي في هذا الكون
فأستبدل بالواقعِ زمنَ الأحلام
وبالتفوقِ زمنَ الانهزام

هلا أمددتني قليلا ً بالصبر؟
كي أُرسل مُسلّماتي إلى القبر
وأرفعَ رأسي نحو السماء
بحريةٍ أكثر من ذي قبل

هلا أمددتني بقليل الهداية؟
كي أُجيبَ عن أسئلةِ الخليقه
فأسردَ لهم أصل الحكايه
هل أنتَ وهم أم حقيقه؟!؟
***
قد تجادلتُ والأمل.. فامتلكتني الهموم
وامتلكني الوَجل.. فشارفتُ الجنون!
وبقيتُ أصلي.. رافعاً يدي
بقيتُ أصلي.. مُغمضاً عيني
بقيتُ إليك أصلي.. بكل عنايه
بقيت أصلي.. بكل خشيةٍ ودرايه

بكل دراية، قدّمتُ قرباني...
لخالقِ صحوتي وخالقِ أحلامي
لخالقِ ريبتي وحَذري.. وخالقِ شجاعتي وخجلي
لخالقِ شرائعَ غير مرئيه... تَصِفُ بطريقةٍ غريزيّه
قوانينكَ السرمديه

بكل عناية، شرّحتُ الأوهام
ونفضتُ الخطوط من الألوان
وطرحتُ أسئلةً أجزمُ أني
أبحث عنها.. وتبحث عني!
***
أسئلة لإله قادرٍ جبار..
يُزلزلُ الأرض.. يُوقد النار
يَخطف آلاف الأبدان بلحظات
وآلاف النفوس بلحظات
ومعها يخطف كثيراً من الأمنيات المتواضعه
دونَ تمييزٍ لهوية أصحابها!

أسئلة لإله مُرعبٍ
حرّض الناس على الهلع وعلى الخوف،.. فالتضرع إليه
حَرّضهم على الرهبة، فالتقوى،.. فالصلاة له

أسئلة لإلهِ محبةٍ
تركَ النفوسَ الحاقدة تكره
والعقولَ التافهة تمرح
والألسنة الفارغة تشرح
سَذاجتها وسطحيتها
وكلّفـنا أن نتـقبّل جميعَ هؤلاء!
وأن نتضرّع لهم إلى السماء

أسئلة لإلهٍ أصدر القرار
بأن يُسوّي الفاشلَ بالناجح
وأن لا يميزَ حين يختار
ما بين الصالح والطالح

أن لا يميز الصادقين العادلين
صنّاع الخير بدون غايه
إن نصروا الحق غير طامحين
إلى مصلحةٍ أو منصبٍ أو ولايه
***
بقيتُ أصلي، وتشوقتُ أكثر.. لأشهدَ شهادتي الأخطر
بأنني شكاكٌ أكبر!

فلربما بالشك أحسمُ نزاعي مع كينونتي
أو أرتقي به لأتكامل مع صيرورتي

.. أو به أتفاعل أكثر مع فطرتي!
فأتلَمّسُ باعثَ فكرتي

.. أو بالشك أثبتُ من جديد
وجودَ إله حُرٍّ بعيد
يَتفهمُ أسبابَ امتعاضي..
وخلفية ترددي وانتفاضي

.. ربما بالشك أنال ما لم أنله بصلاتي
فألتمس وجهاً لله، مختلفاً
أضناني بأسرار غموضه!
.. فألتقي حينئذ لهفتي إليه.. وأتكاملُ حينئذ مع وجوده!
ثم أجرؤ على الإعلان.. أنني إنسان
خالدٌ معه وفي خلوده!!!

بعد أن كتبت ما كتبت، وقفت، رافعاً يدي إلى السماء وأعلنت التالي:
 "خرج الطفل الجديد إلى حياته الجديدة، خرج جسدي إلى الحرية! الله يريدني حراً لا عبداً! هو لا يريدني أسيراً في معابدكم!... عاش الإله الذي يلهمني في داخلي وعاشت حريتي!!"
كانت تلك اللحظات مدخل حالة جديدة شكلت أولى مراحل تمتين ما اعتبرته لاحقاً "انتمائي إلى اعتباري الإنساني"!
***
لم تنته الأمور على خير قط. فمن أسوأ أيامي في القصر، ذلك اليوم الذي علم فيه الملك من كبير كهنة الجزيرة أنني ثائر على ديانة الجزيرة.
علمتُ هذا الأمر من أمي التي جاءت إليّ في أحد الأيام مُصْفرّة الوجه ومرتعبة. سألتني أمي عما يحدث معي، ثم أخبرتني أن الملك أنّبها واعتبرها مسؤولة عن الحالة التي وصلتُ إليها.
ورجتني أمي ألّا أتمادى في خطئي وأن أعود إلى رشدي! وشرَعَت بالبكاء للمرة الأولى أمامي!!
مسكينة والدتي!... عندما يتعلق الأمر بالأمهات، نتعرض كأبناء، في حالات معينة، لأكبر ضغط داخلي نمارسه على أنفسنا. فنُضطر تحت ضغط العواطف إلى التراجع عن تصرف مبدئي قمنا به بغية تصحيح ما سببه هذا التصرف من حزن أو خوف لهنّ!
نحن نتعرّف إلى ضعفنا ونعترف به، رغم اقتناعنا الحاسم بصحة المقابل الذي تخلينا عنه وفائدته!
فالعواطف العائلية، وتحديداً الموقع المميز الذي تشغله الأم في حياتنا الأسرية، منذ لحظة ولادتنا، يُشعرنا بواجب التضحية هذا. ونبرر ضعفنا هذا بالواجب العائلي المحض، ونؤجل مواقفنا المبدئية وقناعاتنا الفكرية الذاتية إلى مواعيد أخرى قد نصبح فيها أصلب ولا نتأثر لا بعاطفة ولا بخوف.
ولطالما تساءلتُ عن هذا العشق الكبير لعاملين مُتناقضين في حياتنا الإنسانية، أوّلهما علاقة الأبناء بأمهاتهم بشكل خاص وبعائلاتهم بشكل أعمّ، وتداعيات هذه العلاقة على صعيد التأثير العاطفي في الأبناء، وثانيهما بالمقابل، رغبة التحرر من الثقافة التي يتشرّبها الإنسان منذ صغره، والتي تشكل الأم خصوصاً والعائلة عموماً مُحرضين أساسيين لكبحها.
إنه عشق مُزدوج ومُتناقض في آن، يُبقي مُواجهةً دائمة في قلوبنا بين واجب الطاعة ورغبة الثورة، ويَصِلُ من خلال خيطٍ رفيع عامل الرضوخ والإخضاع من جهة، بعامل التوق إلى التحرر فالتطور فالإبداع من جهة أخرى!
***
بعدما ترددتُ كثيراً، قررتُ أن أتوجه إلى المعبد الذي لم تطأه قدماي منذ فترة، لأبحث في حضرة إله الجزيرة عن حل لمعضلتي! ولأفكر في طريقة أُصلح من خلالها ما سببته لوالديّ من أذى!
وصلت إلى باب معبد القصر خارج مواعيد الصلاة قصداً كي لا ألتقي أحداً! وإذ بي أفاجأ بمشهد غير منتظر! فجدي الملك كان هناك، راكعاً على مذبح المعبد، وحيداً يناجي إلهه بصوت عالٍ قائلاً: "كيف أعتذر منك يا ربي. لقد ظهر من عائلتي شابٌّ ضائعٌ كفر بك، شابٌّ من سلالة ياوار جدنا الكبير، رسولك إلينا!... كيف أعوِّض خطأ أحد أحفادي!... ما عساي أفعل؟؟"
يا للهول... جسدي بدأ يرتجف من الرأس حتى أخمص القدمين، وأسناني بدأت تصطك! فالشاب الكافر على بعد أمتار من جده الملك!!!.. وجدّه يحاول الاعتذار لإلهه عن أفعال حفيده...
ملكنا، بسبب تصرفاتي أنا... على وشك البكاء على مذبح المعبد!!... يا لمصيبتي الكبيرة!!
تراجعتُ خطوتين إلى الوراء محاولاً الابتعاد بهدوء عن مسرح اعترافات الملك. لكن قدميّ خانتاني، فتجمدتا فجأة وفقدتُ السيطرة على حركتي، فاختل توازني... ولا أعرف كيف اشتبكت رجلاي وتعثرتُ، فسقطتُ على ظهري أرضاً مُحدثاً ضجة كانت كافية لتشغل ملكنا عن تضرعاته.
التفت جدي إلى الوراء، ليفاجأ بالأمير الكافر يتجسس عليه من خلف باب المعبد المشقوق.
هي صدفة غير سعيدة بالطبع!
دوّى صوتُ جدي من قلب المعبد، وتردد الصدى ليحدث ضجة هائلة!
 "أنت هنا يا زايان؟".
حينئذ، كاد يغمى علي، فقد أحسست في داخلي كأن لهيباً اخترق قلبي وأشعله! أما يداي المرتجفتان، فقد فقدتُ الإحساس بهما!
أصبحتُ وجهاً لوجه أمام الملك الذي فتح باب المعبد على مصراعيه وغطاني بظله كالنسر الذي انفرد بفريسته المرتمية أمامه أرضاً.....
أيقنت في تلك اللحظة أنْ لا مفر من المواجهة!
وسرعان ما عاد الإحساس إلى يدي فاستعنت بهما وبإحدى درفتي الباب المفتوح لأقف.
وهنا حصل ما لم يكن في الحسبان بتاتاً. فقد زال عني الخوف فجأة، وتجاسرت على مواجهة نظرات الملك الغاضبة، فقلت:
 "أنا لست كافراً، أنا مؤمن بالله من خلال قدرةٍ في داخلي تجرّني بهذا الاتجاه، لا من خلال طقوس لا فائدة منها وتقاليد غريبة موروثة منذ قرون مضت"!
أضفتُ: "أنا مؤمن أكثر من أي شخص مَوجود على هذه الجزيرة بإله الجزيرة!"
أطلقتُ هذه الكلمات، بينما كان لون وجه الملك يتحول إلى نبيذي.
وتأخرتُ في الانتباه إلى أن كلماتي وقعت على الملك وقوع الصاعقة! فوجدته يصرخ بوجهي قائلاً:
 "أصمت!... أصمت يا فتى!.. أنتَ كفرت بإلهنا وتجرؤ على الكلام!... يا لوقاحتك! يا لتربية أبيك السيئة لك!"
أجبته على الفور: "وما شأن أبي! أنا تتلمذت على أيدي كهنة القصر! وأنا..."
قاطعني مجدداً: "حسابك عسير يا زايان!... حسابك عسير!!"، ...

http://www.dar-alfarabi.com/Home/publication.php?ID=5981